أسماء الحيوان واللغة العربية

المشرفون: الغريسي, صح النوم

أسماء الحيوان واللغة العربية

مشاركةبواسطة الغريسي » الأحد مايو 13, 2012 8:59 am


عبد الحافظ حلمي
عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة

مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة ـ الأعداد (81 - 102) - (ج 2 / ص 1)


أسماء الأعيان، ومنها أسماء أنواع الحيوان، هى فى جوهرها رموز يُتفق عليها للدلالة على كل عين بذاتها، حتى إن تجردت ألفاظ تلك الرموز من أىّ معنىً مرتبط بذواتها. والمهم أن تكون تلك الرموز محدَّدة، معروفة بين مستعمليها، لا يكتنفها تداخل أو غموض.

... والاسم - على إيجازه وبساطته وتجرُّده - ينقل إلى سامعه أو قارئه صورة مركبة من شتى الأوصاف والتفاصيل ، بل إنه قد يستدعى إلى وعيه ألوانا من الأحاسيس والمعلومات المحفوظة في ذاكرته. فالاسم ، على هذا النحو ، هو المسمَّى ، كما يقولون. وهذا هو بعض ما نستشعره حين نقرأ قوله تعالى:"وعلَّم آدم الأسماء كلَّها…"(البقرة:31) ، على أرجح ما قاله المفسرون.

... ونشأت أسماء الحيوانات فى المجتمعات الإنسانية المختلفة ، وأصبح لكل قوم "قاموسٌ" لرموزهم ، حفظوه فى صدورهم وتوارثوه ، ثم سجَّلوه ، منقوشا أو مكتوبا ، فى أزمنة تالية من تاريخهم. وكان الطبيعى أن تختلف القواميس.

ولما أراد الناس أن يدرسوا أنواع الحيوان دراسة علمية وضعوا لكل نوع تعريفا طويلا ، للاقتراب من التحديد العلمى المطلوب. ولكنهم ما لبثوا أن ضاقوا ذرعا بثقل هذه التعريفات، حتى خلَّصهم منها ، فى أواسط القرن الثامن عشر ، الشاب السويدى الألمعى كارل لينيوس ، فابتدع "التسمية الثنائية " لأنواع الأحياء ، التى تقضى أن يسمَّى كل نوع منها باسم جنسه يليه اسم نوعه ، وكفى. وكانت هذه الأسماء العلمية لاتينية أو ملَتَّنَة. فالأسد ، مثلا Felis leo(**) ، أما البَبْر والقط الأليف فيتفقان معه فى جنس السنانير أو القطط Felis ، ويختلفان عنه فى الشق الثانى من اسميهما: فالبَبر Felis tigris والقط الأليف Felis domestica، وهكذا .

وفرح العلماء بهذه الطريقة الجديدة البسيطة ، وانطلقوا يسمّون الحيوانات وفقا لأسلوبها . ولكن سرعان ما عمَّت الفوضى ، فقد اتضح أنه لابدَّ من وضع قواعدَ لتنظيم إطلاق تلك الأسماء. ونشطت الهيئات والجمعيات العلمية فى أوروبا يضع كلٌّ منها قواعده ، ولكنهم سرعان ما اكتشفوا أن هذا لا يكفى ، وإنما يجب أن تكون هذه القواعد عالميةً مُتَفَّقًا عليها دوليا. وهنا انعقد المؤتمر الدولى الأول لعلم الحيوان فى باريس عام 1889 ووضع مجموعة من القواعد ، أخذوا ينقحونها حتى أقَرَّها المؤتمر الدولى الخامسُ المنعقد فى برلين عام 1902 ، فظهرت الطبعة الأولى من قانون التسمية الحيوانية عام 1905 ، وظلَّت سارية نحو 70عاما حتى نقحها المؤتمران الدوليان الخامس عشر (فى لندن عام 1958) والسادس عشر (فى واشنطن عام1963)، فظهرت الطبعة الثانية من القانون عام 1964. أما الطبعة الثالثة فقد ظهرت عام 1985 ، بعد أن أقرته هذه المرة الجمعية العامة للاتحاد الدولى للعلوم البيولوجية التى عقدت فى هلسنكى عام 1979. وهذا القانون يضم "تقنينا" - كما علمنا الأستاذ الدكتور أحمد عز الدين عبد الله - فيه سبعٌ وثمانون مادةً مفصَّلَة ، وستةُ ملاحق. وعالِم الحيوان الأصيل يجب عليه أن يُلمَّ إلماما حسنا بهذا التقنين ويلتزمَ التزاما دقيقا بقواعده الصارمة. أما الجهة القضائية التى تحكم فيما قد ينشأ بين العلماء من خلاف أو حلِّ ما قد يصادفهم من مشكلات فى تطبيقهم القانون ، فهى اللجنة الدولية الدائمة للتسمية الحيوانية ، ومقرُّها لندن.... ومن أبرز مبادئ هذا القانون أنه لا يكون للجنس الواحد أو النوع الواحد من الحيوان إلا اسم علمى صحيح واحد، وأنه إذا تعددت الأسماء تكون الأحقية لأسبقها نشراً وفقا لأحكام القانون ، ويكون حقُّ التأليف لصاحب ذلك الاسم. ومنها أيضا أنه لا يطلق الاسم المعيَّن إلا على جنسٍ واحد أو على نوع واحد ، فإذا تعدَّد السَمِيُّون استقل بالاسم الجنسُ أو النوع الذى أطلق عليه ذلك الاسم أولا ، وكان على العلماء أن يجدوا أسماء بديلة للمنافِسات الأخرى. ويترتب على هذين المبدأين أنه لا يتكرر اسم الجنس فى عالم الحيوان أبداً ، وأنه لا يتكرر البتَّةَ اسم النوع فى الجنس الواحد. ومشاكل ترادف الأسماء وتطابقها من أعقد مشاكل المصنِّفين.

... والتحديد العلمى الدقيق لمدلولات الأسماء كثيراً ما تكون له أوجه كثيرة من الأهمية. فمثلا ، ما هى "السَّلْوَى" التى أنزلها الله على بنى إسرائيل فى التيه بين مصر والشام؟ أرجحُ أقوال المفسرين إن السلوى هى الطيور المعروفة بالسُّمَانَى. وهذا هو ما يراه القزوينى فى "عجائب المخلوقات" وواضعو "قاموس الكتاب المقدس" أيضا. أما الدَّميرى فقد نقل فى موسوعته البديعة عن ابن سيده:"السلوى:طائر أبيض مثل السُّمانى…". وذكر المعلوف ، فى معجمه القيِّم عن الحيوان ، أن "السلوى" التى تكلم عنها الدميرى طائر آخر ، لعله الواقُ الصغير الذى يسمَّى "السلوى" فى حلب ، أو الصِّفْرِد الذى يسمَّى أيضا "السلوى" فى لبنان. ولكن هذا التشكك الذى أثاره الدَّميرى قد تسرب إلى "معجم ألفاظ القرآن الكريم" لمجمعنا ، الذى جاء فيه أن السلوى "طائر يشبه السُّمانى". وهناك من الدلائل القوية ما يرجِّح أن سُمانى بنى إسرائيل هى النوع المعروف باسم "السُّمانَى"Coturnix coturnix .

... وكلما فكرتُ فى الأسماء العربية للحيوان تطوف بذاكرتى قصة طريفة مشهورة عن أبى العلاء ، فلما أردت توثيقها خفَّ إلى نجدتى أخى الكريم الدكتور محمد يوسف حسن ، حبيبُ أبى العلاء ، فأمدنى بكتاب أحمد تيمور باشا عن أبى العلاء ، الذى قدَّم له المجمعىّ العلامة الدكتور بدوى طبانة ، فوجدت فيه الخبر اليقين. وذلك أن عبقرىَّ المعرَّة دخل على مجلس الشريف أبى القاسم المرتَضَى ، وهو ببغداد ، فلما تقدم عَثَرَتْ قدمه بأحد الجالسين ، فصاح الرجل الصَّلِف: من هذا الكلب؟

ولم يكن هذا الرجل - الذى نسى التاريخ اسمه - سيِّئَ الخلق فحسب ، بل إنه كان سيئ الحظ أيضا ، فإن عثرة لسانه كانت أضرَّ به من عثرة قدم أبى العلاء ، الذى ردَّ عليه فى ثقة واعتداد بالنفس : الكلبُ من لا يعرف للكلب سبعين اسما! فأُفحم الرجل وسُقِط فى يده . وسمع المرتضَى ردَّ أبى العلاء فأدناه واختبره ، ولما وجده عالما فطنا ذكيا ، أقبل عليه إقبالا كثيرا. ولا تحكى القصة أن أبا العلاء ذكر أسماءَ الكلب السبعين فى ذلك المجلس، ولكن هذه السُّبَّةَ ظلت قائمة ، على أية حال. وتصدَّى لهذا التحدِّى "بلدياتى" جلال الدين السّيوطى، بعد ذلك بأكثر من أربعة قرون ، فألف أرجوزة أسماها "التبرِّى من معرَّة المعرِّى" تضمنت سبعين اسما للكلب، وأوردها أحمد تيمور فى كتابه وشرحها ، بعد أن رجع إلى القاموس واللسان والمخصص وحيوان الجاحظ ، وحياة الحيوان الكبرى للدَّميرى وغيرها ، ثم استدرك عليها.

وقد فحصت هذه الأسماء فوجدتُ منها ما يصف الكلاب ببعض ألوانها ، كالباقع والأبقع والأعنق ؛ أو وفقا لأحجامها ، كالعُرْبُج والفُرنىّ للضخام ، والقُطرُب أو القَطرَب للضئال؛ أو بعضِ خصائصها ، كالدِّرباس للعَقور والعوَّاء والصُّمات ؛ أو نسبةً إلى بلد ، كالسَّلوقى والنَّصيبىّ ؛ ومنها أيضا الدِّرسُ (مثلثة الدال) والجِرو (مثلثة الجيم) لأولاد الكلاب. وفى القائمة أسماء لهجائنَ حقيقية أو متوهَّمة بين الكلب والذئب والثعلب بل والدُّب أيضا ، كالسِّمع والدَّيسم . بل إن فيها أيضا:الهراكلة والقندس والقُضاعة، وهى لواحم تعرف فى العربية بكلاب الماء، ليست من جنس الكلب Canis ، بل ولا حتى من فصيلته Canidae ، وإنما هى من فصيلة السراعيب أو بنات عِرْس Mustelidae. وتضم القائمة أيضا خمسة عشر اسما لبنات آوى jackals ، وهى بضعة أنواع من جنس الكلب ، ولكنها ليست من الكلاب أو الذئاب. وقد زاد أحمد تيمور على قائمة السيوطىّ خمسةً وثلاثين اسما للكلاب وبنات آوى وأولادهما وكُنى ذكورها وإناثها ، وأكثرَ من عشرين عَلَما لكلاب مشهورة فى كتب التراث.

وهذا الولع الشديد بالمكاثرة فى أسماء الحيوان ، مع الشعور بالزهو بسعة العلم اللغوى وثراء اللغة العربية نفسها ، فيه كثير من التغالي ، ولا يبرأ - كما رأينا - من التخليط ، ولكنه قد نفعنا - بعد تمحيصه - فى وضع المقابلات العربية لأسماء سلالات الكلب أو أصنافه التى نجح فى استنباطها المربُّون ، وتربو على المئة ، وهى كلها أصناف من نوع الكلب المألوف أو المستأنس Canis familiaris.

وهذا الأمر ليس مقصوراً على الكلب. فالدَّميرى ، مثلا ، يبدأ موسوعته الفريدة قائلا إن للأسد أسماءً كثيرة ، وإن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمَّى. ونقل عن ابن خالَويه أن للأسد خمسمِئة اسم وصفة ، وذكر أن عَليَّ بنَ القاسم بنَ جعفرَ اللغوىّ زاد عليها مئةً وثلاثين اسما . وذكر الدّميرى من هذه الأسماء خمسة وعشرين ، ولكنه - لحسن الحظ - لم يسبّ من يجهل سائرها.وقل مثل ذلك أو بعضه عن الإبل والخيل والذئاب، وغيرها. وهم يخلعون على الحيوانات المشهورة شتَّى الكُنى ، فالثعلب أبو الحصين وأبو نوفل ، والذئب أبو جعدة ، والهدهد أبو الأخبار ، وهكذا.

وعندنا فى الطرف الآخر من تراثنا اللغوىّ ، أسماء لانكاد نحدِّد لها مسمىًّ. وذلك من قبيل: "الجِلْف" : طائر معروف؛ و "الحَرَقْصَى": دويْبَّة ؛ و"الحُرْقُوفَة: دويْبَّة من الحشرات. و"دويْبَّة" لا تعنى إلاَّ كائنا صغيرا يدب على الأرض، فهى لا تكاد تفيد إلاَّ الحيوانيةَ وصغر الحجم ، وتتسع حتى تشمل القنافذ من الثدييات ، مثلا. وهذا بعضٌ مما يُحال إلى لجنة علوم الأحياء من لجنة المعجم الكبير ، فى حرصها المشكور على التحقيق والتوثيق والشمول. ولكننا كثيرا ما نعتذر ، فى مثل هذه الأحوال ، عن عدم تمكننا من الاستدلال على تحديد مسميَّات تطمئن إليها نفوسنا. وأمثال هذه الأسماء كأنها تقابل ما يدعوه قانون التسمية الحيوانية "أسماءً عارية" (nomima nuda) ، أى أسماءً أصبحت بلا مسمّى ، سوف تظل محفوظة فى كتب اللغة التراثية ، كما أننا نرى أن تسجل كما هى فى المعجمات الحديثة الواسعة ، كالمعجم الكبير ، إلى أن يُهتدى إلى تحديد مسمياتها ، فى ضوء بعض الشواهد والقرائن ، أو أن تخصَّصَ لمسميات محددة ، وهذا - فيما نظن - أولى من الابتداع ، وفيه إحياء لتلك الألفاظ.

ولكننا نوفق فى أحوال أخرى ، بفضل الله ، إلى التوصل إلى تحديد علمى مقبول معتمد على شئ من الاجتهاد والتأويل . ويكفى أن نضرب لذلك بعض الأمثلة:

1- الجَلَعْلَعَة: "خنفساء زعموا أن نصفها طين ونصفها حيوان". ونستطيع أن نتقصَّى أصل هذه الخرافة: فالمعروف أن الجِعلان حشرات من غمديات الأجنحة تُعَدّ من الخنافس ، وأن من أنواعها جِعلانَ الرَّوْث ، التى تصنع إناثها كراتٍ كبيرة من الرَّوث (أو"الجَّعْر") لتضع فيها بيضها، ثم تمسك بها وتدحرجها أمامها ، فتبدو وكأن نصفها من الطين ، ولذا تكنَّى بأبى جعران وتعرف بالجعارين. ولذلك نستطيع أن نلحق بالتعريف المأثور قولنا:"ويحتمل أنها أنثى الجُّعَل بكرة الروث التى تضع فيها بيضها".

2- جمل البحر: ينقل الدَّميرى عن ابن سيده أنه "سمكة طولها ثلاثون ذراعا" ، ويشير إلى حديث أبى عبيدة ، رضى الله عنه ، أنه أُذِن فى أكل جمل البحر ، وهو سمك شبيه بالجمل. ثم يشير أيضا إلى رجز للعجاج مذكور فى كتاب "البيان والتبيين" للجاحظ. ويقول صاحب القاموس إنه "سمكة طولها ثلاثون ذراعا". أما المعلوف، فى معجم الحيوان، فيدور مئة وثمانين درجة ويقول، نقلا عن جفروى ، إن جمل الماء " نوع من السمك صغيرٌ رقيق جدا كأنه الشفرة" ، ولكنه يضيف ، وهو أيضا حوت عظيم اسمه الكُبَع.وعن الكبع، ينقل الدميرى عن ابن سيده أن الكَبْعَةَ: دابَّة من دوابّ البحر.

ويتجه الفكر بعد هذه الجولة إلى حوت طوله ثلاثون ذراعا يشبه الجمل. ويتركز النظر فى الحوت الأحدب humpback whale) ) ، له زِعْنِفَة كالسنام ، ويبلغ طوله بين 15 و 19 مترا. والذراع الهاشمية تساوى اثنتين وثلاثين إصبعا أى 64 سنتيمترا. وعلى هذا تكون الثلاثون ذراعا مساوية لتسعة عشر مترا. وهكذا نستطيع فى النهاية أن نقول ، بدرجة مقبولة من الرجحان ، إن جمل البحر هو الحوت الأحدب Megaptera novaeanglia من فصيلة Balaenopteridae . ويؤيد هذا الرأى أن الحوت الأحدب يجوب المحيطاتِ كلَّها، ومن ثم كان متاحا لأن يراه العرب.

3- الجيْهَر: لانجدها عند الدّميرى ولاعند المعلوف ، ولكن القاموس المحيط يفسرها بأنها:"الذباب الذى يفسد اللحم". ونستطيع أن نعتمد على هذا فى قولنا: الجيهر اسم يدل على أنواع الذباب من جنس Sarcophaga من فصيلة Sarcophagidae (أى:آكلاتِ اللحم) ، من رتبة الحشرات ذوات الجناحين ، يضع يرقاته فى اللحم أو فى جثث الحيوانات أو فى الجروح المكشوفة، حيث تحلل اللحم وتذيبه لتغتذى به.

4- الحصانيَّات:"ضرب من الطير ، يصيد الذباب اختطافا واختلاسا". وينطبق هذا الوصف على أنواع كثيرة من الطيور منها جنسُ خاطف الذباب Muscicapa الذى يضم أكثر من عشرين نوعا تعيش فى آسيا وإفريقيا وأوروبا ، وتصيد الذباب وغيره من الحشرات وهى طائرة .

... وتسجل كتب اللغة حالات صارخةً من الكائنات السَّمِيَّة ، فتذكر مسمَّياتٍ متعددةً لبعض الأسماء ، فمن ذلك:"الأطوم" ، فهو سلحفاة بحرية غليظة الجلد ، والزرافة ، والبقرة ، والصَّدَف ، والقنفذ (المعجم الكبير ، الجزء الأول ، ص:354). ولكن المعجم الكبير يضيف إلى هذه المعانى تخصيصا حديثا ، فيقول:"وفى علم الأحياء: حيوان بحرى من الفصيلة الأطومِيَّة ، من رتبة الخِيلان ، أى بنات الماء ، من الثدييات…إلخ". والمعجم لا يبرر هذا التخصيص ، الذى يبدو كأنه لون يجوز أن نصفه بالاعتساف الاصطلاحى المقبول. فهذه الحيوانات ، التى تعرف أيضا باسم "بقر البحر" و "عرائس البحر" ، لها جلد غليظ كجلد السلحفاة ؛ فالمعجم الكبير يذكر أن البقرة [أى بقرة اليابسة ، من الأنعام] سُميت أطوما على التشبيه بالسلحفاة البحرية لغلظ جلدها. ولكننى وجدت سنداً آخر تحت اسم "الحنفاء"- فى جزء آخر من المعجم - التى من معانيها: "سلحفاة الماء"، و "سمكة بحرية ، يقال لها الأطوم ، وهى سمكة فى البحر كالملكة". ومن المعروف أن عرائس البحر ثدييات تشبه الأسماك شبها ظاهريا. ولكن العجيب أن كتابا مترجما عن الحيوانات اللافقارية ، يطلق اسم "الأطوم" على حيوانات قشرية (barnacles) تلتصق بالصخور والسفن والحيوانات وغيرها من الأجسام المغمورة فى ماء البحر ، وتفرز قشوراً جيرية سميكة(رالف بكسباوم،1960) . ولعل المترجم ـ رحمه الله ـ تعلَّق بأن من معانى الأطوم " الصَّدَفَ " ، كما تقدم ، ولكن الأفضل أن يُعَرَّبَ هذا الاسم إلى "برنقيلات " ، إذا لم نعثر على اسمها فى ذخيرتنا العربية.

وقد أثارت الضِّفْدِع الشائعة فى مصر ، والتى يدرس تشريحها كل طالب لعلم الحيوان فى مصر ، مشاكل لغوية علمية معقدة . على هامشها أولا ضبط الاسم : المفرد : ضِفدِع ، وضِفدَع ( وينقل الدَّميرى عن ابن الصلاح أن أشهرهما من حيث اللغة كسرُ الدال ، أما فتحها فهو أشهر فى ألسنة العامة وأشباه العامة من الخاصة ، وقد أنكره بعض أئمة اللغة ) وهى أيضا : ضُفدُع ، وضُفدَع ، وضَفْدَع ؛ والجمع فيها كلها : ضفادع، وضفادى .

والضفادع ، بصفة عامة ، برَّمائيات بتراوات قوافز ،تنقسم قسمين: مجموعة جلدها رطب أملس ، ورجلاها الخلفيتان طويلتان ، وبطرف لسانها ثلمة ، ومعظمها مائى . وتعرف أنواعها الكثيرة ( نحو 500 نوع ) فى الإنجليزية باسم frogs وتنسب إلى الجنس Rana والفصيلة الرانية Ranidae أما المجموعة الثانية ، فجلدها جاف خشن ذو ثآليل ، وبه غدد تفرز سما ، ورجلاها الخلفيتان أقصر ، ومعظمها أدرد الفكين . ويعيش معظم أنواعها ـ فى طور البالغ ـ على اليابسة أو فى الطين. وتعرف الأنواع الكثيرة من هذه المجموعة ( نحو 300 نوع) فى الإنجليزية باسم toads ، تنتسب إلى الجنس Bufo وأجناسٍ أخرى من الفصيلة البوفوية Bufonidae .

فعندنا فى الإنجليزية إذن: frogsوtoads(وفى الفرنسية grenauilles و(crapauds وكان علينا أن نجد لفظين مقابلين لهما فى اللغة العربية . أما frogs فقد حظيت باسم "الضفادع" الشائع على الألسنة ، وإنْ لم تكن هى البرَّمائيات الشائعة فى مصر ، مثلا. وأما toads فقد أسماها بعض المؤلفين "العلاجيم" ، وانتشرت هذه التسمية فى بعض المؤلفات الجامعية باللغة العربية.

... فإذا رجعنا إلى معنى "علجوم" فى كتب اللغة ، وجدنا فى القاموس ، مثلا ، : "الضفدع الذكر ، والقراد ، والظبى الآدم، والظليم ، والكبش ، والوَعْل ، والثور المسِنّ ، والبطة الذكر ، وطائر أبيض ، والماء الغمر الكثير". ويأخذ الوسيط بعض هذه المعانى ويزيد عليها:" الأتان الكثيرة اللحم". ولا يورد الدَّميرى "العلجوم" فى موسوعته ، ولكنه يذكر فى مُدخل "ضفدِع " أن العلجوم هو ذكر الضفدِع . ويبدو أن هذا هو أشهر المعانى، وهو المعنى الأول فى القائمة الطويلة التى أوردها القاموس ، فهو اختيار له ما يبرره.

... أما ترجمة toads بعلاجيم ، فالذى ابتدعها هو المعلوف ، فى معجمه القَيِّم ، حيث يقول إن معنى العلجوم الضفدِعَ الذكر ، ولكنه يضيف (ص:109):"… وأرى أن العلجوم حيوان آخر من الرتبة نفسها". (وموضع التساؤل ليس حيوانا واحدا). ويوضح فى موضع آخر: (ص:41) وجهة نظره قائلا:"… ولاشبهة أنهم أرادوا فى قولهم الضفِدعَ الذكرَ أنه جنس من الضفادع الكبار لا أنه الذكر بالمعنى المفهوم. وهذا الاستعمال كثير عندهم". وأرى أن المعلوف قد جانبه التوفيق فى هذا التخريج. فليس كل حيوانات المجموعة الثانية (toads) أكبرَ أحجاما من حيوانات المجموعة الأولى ، ثم إن الضفادع من الحيوانات التى تتميز ذكورها من إناثها تميزا واضحا ، فهى التى تنق دون الإناث ، فضلا على بعض الفروق فى الشكل. (وكذلك الحال فى البط ، فذكوره فى معظم الأنواع أجمل وأبهى ريشا من إناثه ، وإلا لزم أن نقول - على هذا القياس - إن العلجوم هو نوع أو جنس معين من البط أيضا). فواضح أن العلجوم اسم للذكر ، كالديك والثور والكبش ، ونحوها.

وقد فكرت فى الأمر منذ سنين ، فلم أجد مندوحة من تعريب toads إلى "تودات". وهكذا يكون عندنا ضفادع وتودات ، فلسنا أقل فطنة ودقة من الذين يفرقون بين هاتين المجموعتين فى اللغات الأخرى. وقد أعلنت هذا فى عملين باكرين (فى الموسوعة الذهبية:63/1964، وفى موسوعة الأهرام:1964). والذى يؤيد هذا المنحى أن لفظ toad فى الانجليزية اسم جامد من اللغة الانجليزية القديمة ، وليس له معنى يترجم. وليس تعريب الأسماء فى عالم الحيوان بغريب ، فأسلافنا قد أدخلوا، مثلا: الأخطبوط، الإسقَمرى ، الأنكليس، البلبل ، الجرِّى ، السقنقور ، القريدس ، والقندس.

وهذه التفرقة بين الضفادع والتودات واجبة فى الكتابات العلمية ، على وجه الخصوص. أما فى الحديث العادى فيمكن استعمال لفظ "ضفدع" و"ضفادع"للإشارة للبرَّمائيات البتراوات، بصفة عامة. وشبيه بهذا قَدَرُنا فى ترجمة مجموعتى حرشفية الأجنحة: الفراشِ وأبى دقيق ، ففى كلامنا المعتاد ، ونثرنا، وشعرنا، لا نتحدث إلا عن الفراشات. بل حتى فى الأسماء العلمية التى لا يقصد فيها التفرقة بين المجموعتين ، نستعمل لفظ "الفراش" أيضا لترجمتنا لاسم butterfly fishes إلى الأسماك الفراشية ، دون حرج.

وعكس ما ذكرناه بشأن التُّودات، حدث عند ترجمة لفظ "skunks" التى تدل على أنواع من اللواحم الأمريكية لها غدتان عند قاعدة الذيل ، تنقبض العضلات المحيطة بهما ، إذا أثير الحيوان ، قاذفةً إفرازها السائل رذاذاً دقيقا له رائحة خانقة كريهة لا تطاق ، تقزر النفس وتثير الغثيان ، كما أن له فعلا كاويا قد يصيب العينين بعمى مؤقت. ويحرص الحيوان على ألا يعلق بجسمه من هذا الإفراز شئ ، ويمضى "طاهر الذيل" بعد أن يفعل فَعلته النكراء . وهذه الأنواع تشبه أنواعا أخرى مماثلة فى العالم القديم، منها ما يعرف فى مصر والسودان بأبى عفن وأبى المَنْتَنْ (مع أنه لا ينفرد بهذه الوصمة)، وفى بلاد العرب باسم الظَّرِبان (عبد الحافظ حلمى محمد،1965)، ويعرِّفه الدَّميرى بأنه "دويْبَّة فوق جرو الكلب ، منتنة الريح ، كثيرة الفسو"! وهكذا كان من الطبيعى أن يسمى المعلوف الـ"skunks الظرابىَّ الأمريكية " (معجم الحيوان ، ص :231). وكذلك نلجأ أحيانا إلى ترجمة معانى الألفاظ الأجنبية إلى اللغة العربية ، كما فعلنا فى ترجمتنا للأسماء: puffbirds إلى الطيور المنتفشة ، و hornbills إلى قرنية المناقير، button quails إلى السُّمانى الزِّرِّيَّة ، و caecilians إلى العمياوات ، وfrogfish إلى الأسماك الضفدِعية ، و toadfish إلى الأسماك التوُّدية ، وهكذا.

والحذرَ الحذر من الأخطاء الشائعة عند وضع المقابلات العربية لأسماء الحيوان الأجنبية. فمن ذلك ترجمة tiger إلى "نمر"، وصحته: "الببر" ومن ذلك أيضا ترجمة swans إلى بجع ، كما يحدث فى ترجمة الباليه المشهور Swan Lake إلى "بحيرة البجع". وانتقل هذا الخطأ إلى الفلاسفة والمناطقة فى مثالهم المشهور: كل البجع أبيض ، بل إنه تسرب إلى بعض معاجمنا ، فهى تورد مقابل لفظ "بجع" وصفا ورسما لطائر آخر هو التِّمُّ (المشهور فى مصر أيضا بالوَزِّ العراقى) وهو الذى يسمّى بالإنجليزية swan ، أما البجع فمقابله بالإنجليزية هو pelicans، وقد برئ المعجم الكبير من هذا الخطأ الشائع فأورد أمام لفظ "بجع" الوصف والرسم الصحيحين لهذه الطيور التى تُعرف أيضا باسم "الحوصل" أو "جمل الماء". وبهذه المناسبة ، من مآثر المعجم الكبير أيضا إثباته للأسماء العلمية لأنواع النبات والحيوان وأجناسهما وفصائلهما ، أيضا.

وبعدُ.. أيها العلماء الأجلاء
لا أزعم أننى قد شفيت الغليل فى هذا الموضوع المتشعب الطويل ، وكان قُصارى جُهدى أن أعرض عليكم - فى حدود الوقت الضيق المتاح للإعداد والإلقاء - بعض ما عَرَض لى منه فى أثناء عملى المتواضع فى الترجمة أو التحقيق ، وقد يكون لنا إليه عود ، إن شاء الله. وإنما يكفينى أننى بثثتكم بعض ما نكابده فى هذا الباب من عناء يعذبنا ونستعذبه ، فى سبيل خدمة لغتنا الشريفة ، وإرساء قواعدِ نهضة علمية عربية شاملة.
ربي أعنِّي ولا تُعن عليَّ
الغريسي
المشرف العام
المشرف العام
 
مشاركات: 144
اشترك في: الثلاثاء فبراير 10, 2009 10:05 am


العودة إلى منتدى العلوم الطبيعية وعلم الأحياء

الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 1 زائر